وقفات مع القصة في كتاب الله:
لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة
الحمد لله يقول الحق وهو على صراط مستقيم، أنزل كتبه بالحق، وأرسل رسله بالحق، نشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن الجنة حق، وأن النار حق، والبعث حق، والنبيين حق، ومحمدًا صلى الله عليه وسلم حق.
أما بعد: أخي القارئ الكريم، فقد انتهينا في اللقاء السابق من ذكر قصة السبعين المختارين لميقات الله مع موسى عليه السلام ليعتذروا نيابة عن قومهم، لكن الحسَّ المادي الغليظ حجبهم عن مسارب الغيب فأعلنوها في وقاحة متناهية: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} إنها الطبيعة القاسية التي لا تؤمن إلا بالمحسوس حكمت تصرفاتهم وانطلقت في جفاء على ألسنتهم فأعلنوا هذا القبيح من القول فعاقبهم الله بالصاعقة فارتجفت الأرض من تحت أقدامهم وماتوا جميعًا، ثم بعثهم الله من بعد موتهم آية لهم وعبرة لعلهم يوقنون بالغيب والبعث بعد الموت، ولعلهم يشكرون الله على نعمه السابغة عليهم.
وهذا موعدنا معك أخي الكريم لنتأمل بعض الفوائد والدروس؛ عسى الله أن ينفعني وإياك بها في الدنيا ويوم يقوم الحساب، وبيانها كما يأتي:
أولاً: من سنن الله الكونية صَرْفُ المتكبرين عن تدبر آيات الله المتلوة والمنظورة، المعنوية والمادية: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} ، وهذا جزاء من جنس العمل فهم انصرفوا لتكبرهم فصرفهم عقوبة لهم عن الفهم والعمل فلا خير فيهم في الدنيا ولا في الآخرة، وقد بين ربنا عز وجل ذلك في كتابه في أكثر من موضع نذكر منها موضعًا واحدًا، قال الله عز وجل: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] .