فهرس الكتاب

الصفحة 10764 من 18318

والإنسان المعتدل المزاج، المستقيم الغرائز، يفكر دائمًا في أن يكون في حال خير من حاله، يتمنى أن يكون في صحة خير من صحته، وفي ثروة أوسع من ثروته، وفي جاه أعرض من جاهه، ومنزلة أسمى من منزلته، وهكذا يصدق قول الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم: (( لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لتمنى أن يكون له واديان ) ).

وإنك لتجد الإنسان حين تنحدر به الحياة إلى الضعف والشيخوخة يفكر في مقاومة عواملها ما وجد إلى ذلك سبيلًا، ويستعين على ذلك بأنواع من العلاج، وألوان من الدواء، عسى أن يحتفظ بقوته وشبابه، ويطيل أمد استمتاعه بالحياة، ولقد أدى ذلك إلى البحث عن الوسائل التي تؤخر الشيخوخة، أو ترجئ هجومها ردحًا من الزمن، ولكن هيهات، فلكل داء دواء إلا الهرم، سنة الله {ولن تجد لسنة الله تبديلا} .

وإذا أحس الإنسان دبيب الضعف في جسمه، والنقص في بدنه، فكر في المزيد والتسامي من ناحية أخرى، فكر في زيادة الثروة، إن مد له في أسبابها فازداد جدًّا وكدًّا، وحرصًا على المال، وضنًّا به، وإن قدر عليه رزقه، وضاقت ذات يده، فلم يستطع المزيد من هذه الناحية، أقبل على المزيد في الدين، فلزم المساجد، وأقام الصلاة، وأكثر من الصوم والذكر والاستغفار، وحرص على التسامي من هذا الوجه؛ لأن الفطرة الإنسانية تهيب بالإنسان إلى أن يتسامى دائمًا، في كل ناحية من نواحيه، فإن عجز عن ناحية لم يعجز عن الأخرى.

جاءت الشريعة الإسلامية فأقرت هذا المبدأ، لأن في إقراره مسارية لسنة الله وموافقة للفطرة التي فطر الناس عليها، أقرت الناس على ما دعتهم إليه الفطرة من الطموح والتسامي، بل دعت إلى ذلك وحضت عليه، ليبلغ الناس الكمال الممكن الذي هيئوا له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت