وإن أردت مزيدًا من البيان عن مسلك الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية الأمة، لتمتلئ نفسك إعجابًا بقوة الإسلام. فإليك ما رواه النسائي وأبو داود والترمذي، عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه أن رجلًا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم. فسأله عطاء، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( أما في بيتك شيء؟ ) )قال: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه (والحلس في اللغة يستعمل كساء وفراشًا) ، وقعب نشرب فيه (والقعب وعاء يشبه الماجور بريف مصر) . فقال صلى الله عليه وسلم: (( ائتني بهما ) ). فأخذهما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيده وقال: من يشتري مني هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: من يزيد عن درهم مرتين أو ثلاثًا؟ فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما الأنصاري وقال له: اشتر بأحدهما طعامًا فنبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فائتني به. فأتاه به. فشد رسول اللَّه صلى الله علية وسلم عودًا بيده ثم قال: اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يومًا. فجاء وقد أصاب عشرة دراهم. فاشترى ببعضهما طعامًا وببعضهما ثوبًا. فقال له رسول اللَّه صلى الله علية وسلم: هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة سواء في وجهك يوم القيامة )) .
فهذا الأسلوب النبوي، يهدي للتي هي أقوم، ويطهر المجتمع من البطالة، ويعز أفراد الأمة بقوة الاحتراف، لنعلم أن الدين يدعو إلى العمل، ويحض على الصناعة، وفي الحديث الشريف: (( المؤمن القوي خير وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف ) ).
فالمؤمن القوي في دينه ودنياه، والذي يؤدي ما افترضه اللَّه عليه، ولا يعتمد على غيره في إطعامه، بل يحترف مهنة يأكل منها، ويستفيد بها المجتمع: هو مؤمن قوي حقًا لأنه أخذ بمبدأ الإسلام فكان عاملًا في بناء المجتمع الصالح. وهو بذلك خير من المؤمن الذي انصرف إلى العبادة وعاش عالة على غيره، فاستمرأ البطالة. وأصبح كلًا على الناس.