وما دمنا قد علمنا أن الهجرة إلى المدينة أمرًا من اللَّه ووحيا، فعلينا أن نتدبر قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 232] ، وقوله سبحانه: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68] .
الهجرة
بين أسبابها الحقيقة وسببها المباشر
يظن بعض الناس أن مؤامرة قريش على الرسول- صلوات اللَّه عليه- كانت هي الباعث الوحيد، والسبب الفريد لهجرة الرسول نجاة بنفسه من كيد قريش ومكرها. ونحن نرفض هذا للأسباب الآتية:
1 -أن المؤامرة المعروفة على حياة الرسول لم تكن الأولى طوال ثلاثة عشر عاما، بل سبقتها مؤامرات ومحاولات: لخنقه ساجدا، ولتحطيم رأسه مصليا، وقتله في داره أو دار الأرقم بن أبى الأرقم، كما حاول عمر بن الخطاب قبل أن يسلم، فلو كانت الهجرة نجاة بشخصه لنجا بنفسه بعد فشل محاولة من هذه المحاولات.
2 -إن أقرب الناس إليه، وهو عمه أبو لهب، عالنه بالوعيد والتهديد في أول سنوات الدعوة بقوله: (تبًا لك- أى هلاكا لك- يا محمد ألهذا جمعتنا) ؟! ولم يفت هذا في عضده.
3 -كانت سنوات الحصار الذي ضربته قريش على الرسول وأتباعه وعشيرته أنسب السنوات للهجرة، لو أن أمر الهجرة كان بيده - صلى الله عليه وسلم -.
4 -إن اللَّه سبحانه قد أخبره بأن كل مؤامرات المشركين في خسران، لأنهم حين يمكرون به، فإن اللَّه يمكر له، ويمكر بهم، كما بينت ذلك فيما بعد آية الأنفال المدنية: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] .