روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان. فكلماه بشئ لا أدرى ما هو. فأغضباه، فلعنهما، وسبهما. فلما خرجا قلت: يا رسول الله. من أصاب من الخير شيئًا ما أصابه هذان. قال: وما ذاك)؟ قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما. قال: (أو ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر، فأى المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرًا) .
والمسلم قد ينزعج لكلمة يجهل تأويلها، وقد يجرح إحساسه رد كان - هو - يرجو نقيضه، فيأسى، ولقد عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم حساب هذا أيضًا، وأدخله ضمن ما اشترط على الله.
روى مسلم عن أنس بن مالك قال: كانت عند أم سليم - وهي أم أنس - يتيمة. فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليتيمة. فقال: (آمنت هيه؟ لقد كبرت، لا كبر سنك) فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: ما لك يا بنية قالت الجارية: دعا عليَّ نبي الله ألا يكبر سني. فالآن لا يكبر سني أبدًا. فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها، حتى لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما ذاك يا أم سليم؟ ) قالت: زعمت أنك دعوت ألا يكبر سنها. قال - أنس: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (يا أم سليم: أما تعلمين شرطي على ربي؟ إن اشترطت على ربي فقلت:(إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر. فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورًا، وزكاة، وقربة يقربه بها منه يوم القيامة) .