وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين في حالي الرضا، والغضب. وكلمة (بشر) التي ترددت كثيرًا في القرآن الكريم بأساليب مختلفة توحي بالقصور، كلمة جامعة تحوى كل ما يمكن أن يقال لمزًا للإنسان، أو نقدًا للذات. وتذكر بجنس الإنسان الذي تعرض من البلاء لما يطيق، حين جهل قدره، وحمل الأوزار، من منطلق الظلم البالغ، والجهل الفاحش، (وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا) .
ولامتلاء الكلمة بالمعاني الحقيقية، والمجازية، والإيحائية، استعملت حين أريد لفت نظر الإنسان إلى حجمه، وحصره بحدوده، وتحريكه نحو القوة المهيمنة على مصائر الكون والكائنات .. نحو قوة الله:
(أ) فلقد قرر القرآن بشرية الرسول بأسلوب التلقين (قل) ، وأكد بالتكرير، والهدف تحريك مفاعلات النفس اللوامة، وإثارة نوازع النقد الذاتي حتى لا تنسى النفس أنها قاصرة، عاجزة، محدودة الآفاق، ضيقة العطن، معبأة في وعاء بشري لا يتمالك: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا) فالكلمة توحي بالعجز، والقصور، والافتقار الشديد.
(ب) والكلمة - كما دارت على ألسنة المرسلين - دارت على السنة الكافرين، يظنونها حجة تدحض دعاوى المرسلين. وكأنهم - بلوك هذه الكلمة - كانوا يشيرون إلى قصور البشرية، ومثالب البشر، ويحركون نوازع النقد الذاتي، حتى يبصروا في أنفسهم، ويعوا قدرهم، فيرجعوا عن دعواهم: