ثم جاء الإسلام وغمر بنوره سماء البشرية فأضاء جوانبها وأشاع فيها الأمان. نظر الإسلام إلى الإنسان نظرة موضوعية .. نظر إلى نفسه بوصفها مستودع قوى الكون الذي يعيش في أرجائه، وأقوى مما فيه، فنفس الإنسان أقوى من الوجود المادي الذي حوله ببحاره وأنهاره، وأبراجه وزلازله، وسيوله وأعاصيره.
فالمؤمن في الإسلام - الذي يطيع ربه - يكون ربانيا، وربط القرآن بين النفس الإنسانية، وآفاق الكون نفسه، فهما قرينان في أكثر من موضع، وفي أكثر من آية: من مثل قوله تعالى:
(وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون) [سورة الذاريات آيتا 20 و 21] .
(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) [سورة فصلت: من الآية 53] .
ومن هنا رفض الإسلام كل العقائد اللا دينية وسفهها، وأثبت زيفها وضلالها فليس هناك شر محض، ولا خير محض، بل لعله لا شر قط، ولا خير قط، وإنما نفس الإنسان تولد صالحة مؤمنة، فإن ضلت فهي ضالة كافرة.
ولعل ذلك أيضًا من الأسباب الجوهرية التي من أجلها لم يأت في دستورنا الرباني، ذكر للخير والشر في موضع من المواضع، إلا كان ذكر الخير سابقا على ذكر الشر، كما تسبق الحسنات السيئات، وكما يسبق الثواب العقاب.
وهذا لعمري منهج ثابت في كلام الله خالق العباد وواهب الحياة.
فنظرة فاحصة إلى آيات القرآن الكريم - في السور القصار أو الطوال على السواء - نرى أن ربنا تجلت حكمته وعظمت مشيئته دائمًا يقدم الخير على الشر:
(فمن يعمل مثال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره) [الزلزلة: الآيتان 7، 8] .
(لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين) [سورة التين الآيتان 4، 5] .
(إن سعيكم لشتى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى) [سورة الليل الآيات 4: 10] .
(قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) [سورة الشمس الآيتان 9، 10] .