ولقد آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين بما أخذه من أموال بنى النضير، ولم يعْط الأنصار منه شيئًا، إلا رجلين أو ثلاثة، شكوا فقرًا فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير} ، فالأموال التى تؤخذ من الكفار نوعان: فيء وغنيمة، فالغنيمة هى ما يُؤخذ من الكفار من أموال بعد قتال، وقد بين الله حكمها في سورة الأنفال، فقال: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين ... } الآية [الأنفال: 41] . والفيء هو ما يؤخذ من أموال الكفار من غير قتال، وقد بين الله حكمه فقال: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} وذلك لـ {كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} ، أى: جعلنا هذه المصارف لمال الفيء كيلا يبقى مأكلةً يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء، ولا يصرفون منها شيئًا إلى الفقراء، {وما آتاكم الرسول} من المال، {فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} . قال العلماء: هذه الآية نزلت في الفيء، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيكون المعنى: مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه يأمر بخير وإنما ينهى عن شر، ولذا جاء عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله عز وجل، فبلغ ذلك امرأة من بنى أسد في البيت يقال لها أم يعقوب، فجاءت إليه فقالت: بلغنى أنك قلت كيت وكيت، فقال: وما لى لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى كتاب الله تعالى، فقالت: إنى لأقرأ ما بين لوحيه فما وجدته. قال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، أما قرأت: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} . قالت بلى.
قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه. قالت: إنى لأظن أهلك يفعلونه. قال: اذهبى فانظرى. فذهبت فلم تر من حاجتها شيئًا. فجاءت فقالت: ما رأيتُ شيئًا، قال: لو كان كذا لم تجامعنا. (أى لم تسكن معنا) . متفق عليه.
{واتقوا الله إن الله شديد العقاب} أى: اتقوه في امتثال أوامره، وترك زواجره، فإنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره وأباه، وارتكب ما عنه زجره ونهاه.
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.