ولذا فإن الحقيقة الثابتة في كل الرسالات السماوية جميعها: عبادةُ الله وتوحيده توحيدًا كاملًا خالصًا شاملًا وعدم صرف شيء من العبادة لغيره سبحانه لتتجه العوالم كلها إلى ربّ واحد وإله واحد لا إله سواه، تقرّ له بالسيادة المطلقة، وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة، وتحرر العقيدة من كل ركام التصورات والأفكار الخاطئة والفلسفات والأوهام والأساطير التي عكرت صفو الفطرة السليمة، فجاءت كل الرسالات بمبدأ واحد هو الإيمان بوجود الله الحق ووحدانيته وإفراده بالعبادة واتصافه سبحانه بكل صفات الكمال والجلال والجمال.
فجميع الأنبياء قالوا لأقوامهم: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ، فهكذا افتتح كل رسول من الرسل دعوته بالدعاء إلى عبادة الله وحده، وهكذا قال نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم، وغيرهم من أنبياء الله ورسله صلوات الله عليهم أجمعين، يقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، وقال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} [النحل: 2] ، وقال تعالى: {إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} [فصلت: 14] ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 51 - 52] .