فهرس الكتاب

الصفحة 11274 من 18318

والكيس الصادق من أعد للسباق فاجتهد في الإعداد. حتى إذا ما أُعْلِن البدء انطلق لا يلتفت، رافعًا رأسه، غايته أمام عينيه، وشوقه دافعه، والإعداد همته على مواصلة الجد في السباق إلى النهاية.

ولأجل هذا المعنى كان استحباب الصوم في شهر شعبان والاجتهاد فيه بالطاعة قبل رمضان.

يقول ابن رجب رحمه الله: «العبادة في شعبان تمرين على العبادة في رمضان فيحصل العبد حلاوة الطاعة ولذتها ليدخل في رمضان بقوة ونشاط على العبادة بعد أن ذاق حلاوتها وأحسّ لذتها» [لطائف المعارف] .

هذا الإعداد بمثابة التمرين للعزائم.

والتي بها يتقوى القلب على الجد والعمل، وتتأهب النفوس على المجاهدة وتتحفز الهمم على المواصلة.

فتكون النوافل قبل الفرائض بمثابة التوطئة، لإعداد النفس على الدخول بالوجه الأكمل والصورة الأتم في الفريضة. كما أشار إلى ذلك الشاطبي رحمه الله في الموافقات. ولكن كم تحتاج هذه التمارين من عزيمة ..

عزيمة على القيام بما لا تألفه من المستحبات والمجاهدة على ترك المألوف عندها من المكروهات لنفس طالما اعتادت عند البر والخير الكلل والثقل وألفت القعود أو البطء في النهوض.

تربية العزم تقوم أولا على تبصير العقل وتوعية الإدراك بمعرفة عظيم الفضل والأجر من وراء ذلك العمل.

فاجتهد أن تجدد التذكير للنفس بفضائل الطاعات بألوانها في هذا الشهر. على أن يصحبه مباشرة العمل والمبادرة إليه لتقوى النفس وتسمو عن مراتب الضعف بإرادة الخير التي يغتنمها العبد بمصاحبتها بالممارسة العملية.

يقول ابن القيم رحمه الله:

«وقوة العزم والصبر يتمكن به العبد من الفعل والترك.

فكثيرًا ما يعرف الرجل قدر التفاوت ولكن يأبى له ضعف نفسه وهمته وعزيمته على أشياء لا تنفع، ولا يتم ضعف النفس المؤدي إلى ضعف العزم والصبر إلا بأمرين: قوة الإدراك وشجاعة القلب».

إلى أن قال رحمه الله «فأصل الشر من ضعف الإدراك وضعف النفس ودناءتها، وأصل الخير من كمال الإدراك وقوة النفس وشجاعتها» ، هكذا أشار رحمه الله في الجواب الكافي.

ومما يساعد على الأخذ بالنفس إلى العزيمة وإعلاء الهمة صحبة ذوي الهمم والعزائم ونبذ الغافلين والبطالين وهذا أمر ربك، قال تعالى: {واتبع سبيل من أناب إليّ} بصحبة الرفيق الأمين الذي يقوم فيك المعوّج، ويُصلح منك الفاسد، ويعينك على نفسك وهواك وشيطانك.

وانبذ صحبة البطالين اللاهين قبل أن تكون وبالا وندامة عليك يوم الدين {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا} [الفرقان: 27 - 29] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت