وقد أَوْجَزَتِ السورةُ في ذكر عذاب الكفار، وأطالتْ في ذكر نعيم الأبرار، ثم خُتمتْ بالحديث عن القرآن، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يلقاه من المكذبين من الأذى، فإنّ اللَّه قادرٌ على أن يبدّل خيرًا منهم: {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}
[إبراهيم: 20]
فلو أنّ إنسانًا حائرًا، شاكًا مترددًا قرأ هذه السورة أو استمع إليها، وهو منزه قلبه عن الهوى والعصبية والحمية الجاهلية، ما تردّد بعدها لحظةً، ولا شكّ بعدها بُرهةً، فإنها كلامُ اللَّه: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122] ؟ {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} [الملك: 14] .
قال تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}
[الإنسان: 1 - 3]
-: {تفسير الآيات} : -
قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} ، هذا سؤال للتقرير، ومعناه: قد أتى على الإنسان زمانٌ لم يكن شيئًا مذكورًا، كما تقولُ لمن أَكْرَمْتَه: هل أكرمتُك؟ ولمن أحسْنتَ إليه: أأحسنتُ إليك؟ كلّ مولود له تاريخُ ميلاد، فأين كان قبل ذلك التاريخ؟ {لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} كان عَدَمًا، إذن: مِنْ أين جاء الإنسانُ؟ مِنَ العدم. ومَنِ الذي جاء به؟ {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} فالذي جاء بالإنسان مِنَ العدِم إلى الوجودِ هو اللَّه: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} ؟