أولئك يشربون في الجنة {مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} والكافورُ أطيبُ من الطيب. قال العلماء: كان النّاس إذا شربوا الخمر وضعوا عليها شيئًا من الكافور لتطيب رائحتها، فذكر اللَّه تعالى أنّ الأبرار يشربُون في الجنة من الخمر التي {لاَ يُصَدَّعُونَ عَنهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ} [الواقعة: 19] ، وهي مع ذلك قد مُزجت بالكافور زيادةً في طيبها، بينما المقرّبون يشربون من الكافور الخالص غير الممزوج، كما قال تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} ، والأبرار هم المقتصدون، بينما المقربون هم السابقون في الخيرات، الذين اجتهدوا في الطاعات فَرْضِها ونفلها، وتركوا المحرمات وغيرها من المكروهات، ومِنْ أعمالِ الأبرار التي نالوا بها ما نالوه أنهم {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} فإذا أَلزمُوا أنفسهم شيئًا من الطاعات غير اللازمة أوْفوا بما التزموا به، وإذا أَدَّوا ما أَلْزَموا به أنفسهم من الطاعات فلا بد أنهم أكثرُ أداءً وأكثرُ وفاءً لما أَلْزَمهم به اللَّه سبحانه، {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} أي منتشرًا عامًا في كل الناس، إلا من رحم اللَّه، قال قتادة: استطار - والله - شرّ ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض، {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} ، وهذا مما يُنال به البّر، كما قال تعالى: {لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] ، وإذا كان إطعام الطعام على حبّه محمودًا فإن الإيثار أعظمُ منه حمدًا، قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] ، فالذي يطعم الطعام على حبه قد لا يكون محتاجًا إليه، أمّا الذي يؤثر على نفسه فهو محتاج إلى ما يُؤثرُ به غيره، وهذا أمرٌ لا تطيقه كلّ النفوس.