فيا سبحان الله، أفلا يرون الكواكب الزاهرات والأفلاك الدائرات والجميع بأمره مسخرات؟! وكم في الأرض من قطع متجاورات وحدائق وجنات وجبال راسيات وبحارٍ زاخرات وأمواج متلاطمات وقفارٍ شاسعات، ثم هم يجعلون لله البنات، ويعبدون من دونه من هو كالعزى واللات، فسبحان الواحد الأحد خالق جميع المخلوقات. وثمَّ أمرٌ لذي اللبِّ المتأمّل يجعل العجب يأخذ من نفسه كلَّ مأخذ حينما يرى أمرَ هذا الكائن البشري وهو ينكص على عقبيه ويولِّي الدّبر، منصرفًا عن عبودية خالقه ومولاه، منشغلًا بالأولى عن الأخرى والفاني عن الباقي، يتقلَّب بين الملذات والشهوات، ملتحفًا بأكنافها بعد أن أكرمه الله وكرّمه وحمله في البر والبحر وفضله على كثير ممن خلق تفضيلًا، وبعد أن أسبغ عليه نعمه ظاهرةً وباطنة، وبعد أن خلقه وصوّره وشقَّ سمعه وبصره، {وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] ، ومع ذلك يستكبر الإنسان، ويكفر الإنسان، ويجهل الإنسان، ويقتر الإنسان، ويجادل الإنسان، فيقول الله عنه: {إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] ، {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] ، {قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس: 17] ، {وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا} [الإسراء: 100] ، {وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَىء جَدَلًا} [الكهف: 54] ، {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّءاهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6، 7] ، {بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} [القيامة: 5] ، {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} [العصر: 2] .
وقد كان الأجدر بهذا الإنسان وقد كَرَّمه الله ونعّمه أن يكون عابدًا لا غافلًا، طائعًا لا عاصيًا، مقبلًا إلى ربه لا مدبرًا، شكورًا لا كفورًا، محسنا لا ظالمًا.