عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه قال: دعتني أمي يومًا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطيك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمرًا. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنك لو لم تعطيه شيئًا كتبت عليك كذبة.
في هذا الحديث يضع لنا صلى الله عليه وسلم بيانًا عمليًا للتخلص من آفة الكذب وذلك بالصدق مع الأولاد بالكلام وفي الوعود؛ لأن بعض الآباء - إلا من رحم الله - ينهي ابنه عن الكذب ويكذب أمام ابنه ويأمر بالكذب، وهنا الطامة الكبرى وانعدام الثقة في الأب واتخاذه قدوة غير صالحة.
فاحذر أخي المسلم من الكذب أمام الأولاد، ولا تظن أن الصغار يمكن أن تخدعهم على الدوام.
ما يباح من الكذب
قال الإمام النووي رحمه الله: اعلم أن الكذب وإن كان أصله محرمًا فيجوز في بعض الأحوال، إن الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه وإن لم يكن تحصيله إلا بالكذب جاز الكذب، ثم إن كان تحصيل الكذب ذلك المقصود مباحًا كان الكذب مباحًا وإن كان واجبًا كان الكذب واجبًا، فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله أو أخذ ماله وأخفى ماله وسئل إنسان عنه وجب الكذب بإخفائه وكذا لو كان عنده وديعة وأراد ظالم أخذها وجب الكذب وإخفاؤها، والأحوط في ذلك كله أن يُوَرِّي، ومعنى التورية أن يقصد بعبارته مقصودًا صحيحًا ليس هو كاذبًا بالنسبة إليه، وإن كان كاذبًا في ظاهر اللفظ وبالنسبة إلى ما يفهمه المخاطب ولو ترك التورية وأطلق عبارة الكذب فليس بحرام في هذا الحال، واستدل العلماء: لجواز الكذب في هذا الحال بحديث أم كلثوم رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا» . متفق عليه.
وزاد مسلم في رواية: قالت أم كلثوم ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: تعني الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها.
[رياض الصالحين]
والحمد لله رب العالمين