فهرس الكتاب

الصفحة 12595 من 18318

وقد نهى الإسلام عن الإفراط والتفريط والغلو والجفاء والإسراف والتقصير، وخير الأمور الوسط، فلا رهبانية في الإسلام، وتعذيب الجسد وتحميله ما لا يطيق ليس من مناهج الإسلام، فلذلك لما سأل الثلاثة عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما علموها وكأنهم تقالّوها، فقال الأول: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثاني: وأما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الثالث: وأما أنا فلا أتزوج النساء. فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال: «أما والله إني لأتقاكم لله وأكثركم له خشية؛ أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وهذه سنتي، ومن رغب عن سنتي فليس مني» . [متفق عليه] أي ليس على هديي أو طريقتي المحمودة، وليس له أيضًا أن يعيش حياة البهائم السائمة فيتلذذ بالحرام ولا يلتفت لدين، بل الواجب أن نحل ما أحل الله، وأن نحرم ما حرم الله، وأن نعظم حرمات الله، {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج32] {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا} [هود 112] ، وأن نعيش حياة الاعتدال، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: «ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل» ، قلت: بلى يا رسول الله، قال: «فلا تفعل، صم وأفطر، ونم وقم، فإن لجسدك عليك حقّا، وإن لعينك عليك حقّا، وإن لزوجك عليك حقّا، وإن لزورك-أى لمن يزورك من الأصدقاء- عليك حقّا» . [رواه البخاري ومسلم]

وأن نحرص على شمول النظرة ونتأسى في ذلك بخير القرون، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم عند الصلاة يصلون في المسجد ويحرصون على إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، وفي حلقات العلم يجلسون معلمين ومتعلمين، وعند الجهاد يقاتلون، وعند الشدائد والمصائب يواسون ويساعدون، وهكذا كان شأنهم في جميع الأحوال، فالخير كل الخير في الرجوع لكتاب الله تعالى ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب21] .

ونحن في هذا المنهج لا نحتقر طاعة، ولا نستهين بمعصية وإن دقت، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة 208] . ومعظم النار من مستصغر الشرر وفي الحديث «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» . [رواه الترمذي وحسنه الحاكم] ... والله من وراء القصد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت