والوجه الثالث من وجوه الإعجاز: هو ما انطوى عليه القرآن من الإخبار بالمغيبات، وما لم يكن، وما لم يقع، فوُجد كما ورد على الوجه الذي أخبر، وذلك كقوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27] ، وكقوله تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 2 - 4] ، وكقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: 55] ، وكقوله: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ، فكان جميع هذا كما قال، فغلبت الرومُ فارس في بضع سنين، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فما مات النبي صلى الله عليه سلم وفي جزيرة العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام، واستخلف الله المؤمنين في الأرض، ومكَّن لهم فيها دينهم، وملكهم إياها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب، وصدق الله وعده بإظهار دين نبيه صلى الله عليه سلم، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 9] .
والوجه الرابع: ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة، والأمم البائدة، والشرائع الدائرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أهل الكتاب، فيورده النبي صلى الله عليه سلم على وجهه، ويأتي به على نصه، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمجالسة أو مدارسه، وهذه الوجوه كلها تبرز أن القرآن آية فريدة بين آيات الرسل أُيِّدَ بها سَيِّد البشر صلى الله عليه سلم.