فهرس الكتاب

الصفحة 13025 من 18318

قال الخطابي - رحمه الله-: «كأنه انزعج عند سماع هذه الآية لفهمه معناها، ومعرفته بما تضمنته، ففهم الحجة فاستدركها بلطيف طبعه» (2) ، وفي صحيح مسلم في فضائل أبي ذر - رضي الله عنه - أن أخاه أنيسًا لما ذهب إلى مكة سمع القرآن، فسأله أبو ذر بعد عودته إليه، ماذا يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء، ثم قال أنيس: «لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت كلامه على أقراء الشعر (3) ، فلما يلتئم على لسان أحدٍ بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون» (4) ، فالروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته هي من مناط إعجازه، وصدق الله إذ يقول: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] ، وهذه الروعة والهيبة قائمة باقية لدى كل سامع وقارئ مستجيب لربه، منشرح بالإيمان قلبه إلى يوم الدين، ولقد سمى الله الوحي الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه سلم روحًا فقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] ، وما سماه الله روحًا إلا لتأثيره العظيم في القلوب والأرواح، ولأن به حياتهما، كما أن الغذاء به حياة الأجسام، فالوحي هو الروح الحقيقي الذي ينجو به العبد من الجهل والغفلة، ويشرق به العقل، وتسمو به النفس، ويزيد به الإيمان، ألا ترى كيف حوَّل الوحي الرباني أولئك العرب الذين لبثوا ألوفًا من السنين على الشرك والضلالة، وألوان كثيرة من الجهل والخرافة إلى رجال صادقين، أوفياء صالحين، حملوا دين رب العالمين، وجاهدوا في سبيله حتى أتاهم اليقين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت