ولو غلغَل المرءُ قليلاً فسأل نفسه: أمن الممكن لأمة تنقُض دينها هذا النقضَ، الذي استوجبَ ذلك الحكم، أن تفتح الأرضين كلها، وتحدث فيها أكبر تغيير حدث في تاريخ الجنس البشري كله: تتغير بهم ألسنة الناس إلى العربية، ودينهم إلى الإسلام، وتنابُذُهم إلى الألفة، وتداعيهم باسم العصبية والجنسية، إلى شيء واحدٍ هو جماعة المسلمين، ويقومُ هذا الأمرُ في الأرض ثلاثة عشر قرنًا، مع شدة ما انتابَ المسلمين على مرّ القرون من النوائب، إلى أن كانت النائبة الكبرى في هذا العصر، وهي نائبة الاستعمار، ويَظَلُّ مع ذلك هذا الرباطُ الوثيق مشدودًا، لا ينحلُّ من ناحية، إلاَّ تداركته آلاف الأسباب من هذا التراث من نواح أخرى؟ أكان ممكنًا لهؤلاء الذين خانوا أمانة الله أن يبلغوا هذا المبلغ؟ اللهم اشهد، فإنها كلمةٌ لو صحت لأزالتْ العقول من مستقرّها؟ وصدق الله رَسُولَهُ والمؤمنين: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] ، وما من حرفٍ من هذه البشارة إلا أتمه الله على محمد وأصحابه وتابعيهم، إذ كانوا خير أمةٍ أخرجتْ للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويطيعون الله ورسوله في سرّهم وعلانيتهم.
ومن الحق على من وسوسَ في قلبه هذا الحكم الشامل: أن الإسلام لم يطبَّق إلا مدّةَ رسول الله صلى الله عليه سلم، ومدة أبي بكر وعمر، أن يسأل نفسه: بم يصحُّ مثل هذا الحكم؟