فهرس الكتاب

الصفحة 1361 من 18318

والحق أن سلطان العلم، وما حقق فيه العلماء من فتوحات مذهلة، قد سحر ألباب الناس، وفتنهم، فأعطوا ولاءهم له، وثقتهم فيه .. ومن هنا دخل على الناس كثير من هذا الشعور المستخف بالدين، المتهم له، المتطاول عليه، حتى لقد أطلق على الدين في هذا العصر عند كثير من الأمم أنه (( أفيون الشعوب ) )أي المخدر الذي يغتال العقل، ويحجب ملكة التفكير، ويغذي المتدين بالخرافات والأباطيل التي هي في نظرهم: الله، والبعث، والآخرة والحساب والجزاء، والجنة والنار .. فكل هذا عند (( العلمانيين ) )والوجوديين، والشيوعيين، والماديين، وأضرابهم، أوهام وخرافات، وسراب خادع، يخدع به رجال الدين العامة، السذج، حتى ينقادوا لهم إنقياد الأنعام، يسخرونهم لطعامهم، ويقيمون عليهم سلطانا يعيشون به في الناس ..

ومن هنا كان على المؤمنين بالله، وبرسالاته، وما تحمل من هدى ونور، أن يعرضوا قضايا الدين على العقل، وأن يردوا العقل إليها، حتى تقع المصالحة بين الدين والعقل، وأن يدخلوا بالدين في مجال الحياة التي يحياها الناس، وألا يجعلوا الدين بمعزل عن معترك الحياة التي يحياها الناس، وبمنقطع عن المشكلات اليومية التي تلقاها في كل موقع من مواقعها. وهذا الالتقاء بين الدين والدنيا، والتجاوب بينهما يحقق أكثر من غاية:

فأولا: تثبيت حقائق الدين في قلوب المؤمنين، وإقامتها على أرضية ثابتة راسخة من الإدراك السليم، والوعي المستنير، حيث ترى تلك الحقائق عاملة في الحياة اليومية، بارزة في تجربة عملية، يجني العامل منها أطيب الثمرات، وبذلك يجد المسلم حماية يعصم بها نفسه من خطر تلك العواصف التي تهب عليه بريحها الخبيثة من الملحدين، وأشباه الملحدين، بعد أن وجد من الدين رسولا هاديا يهدي إلى كل ما هو خير، ويسلك به مسالك الفلاح في كل عمل يقوم به ..

ثانيا: يكون للدين حين يدخل في مجال العقل، ويصحب المؤمن في كل متجه يتجه إليه- يكون للدين حينئذ قبول عند طوائف المثقفين من شبابنا الذي وسعت عقولهم كثيرا من المعارف، على حين فرغت عقولهم، وقلوبهم من المعارف الدينية، ومن عرف منهم شيئا من أمور دينه فإن ذلك لا يعدو أن يكون قشورا لا تكشف له عن جوهر ولا يرى من الدين إلا صورة مهزوزة باهتة لا تثبت على النظر والبحث ولا تقوم له منها حجة أمام العلم ومنطق العلم.

(( عبد الكريم الخطيب ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت