وجوابُ القسم محذوفٌ، تقديرُه: إنّ ما جاء في هذه السورة لحقّ، أو: إنّ انتقام الله ممن عذّب أولياءه لواقع. ولهذا قال بعد القسم: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} أي: لُعِنُوا، والأُخْدُود هو الخندقُ الذي يُحْفَرُ في الأرض، وأصحابُ الأخدود هم جنودٌ لملكٍ ظالم كان النّاس يعبدونه من دون الله، ثم هداهم الله فآمنوا بالله وكفروا بالملك، فأمَرَ أصحابَه فخدُّوا الأخاديد وأَضْرَمُوه نارًا، وقال لهم: مَنْ رجعَ عن دينه فاتركوه، ومن أَبى فأَقْحِمُوه فيها، ثم جلس ينظر إلى المؤمنين وهم يُلْقون في النار، فجمعوا بذلك بين الظلم وقسوة القلب، قال تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ} أي: ما عابوا عليهم {إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} فهو رب كل شيء ومليكه، وهو المستحقّ للعبادة دون سواه، فكما أنّه لا رب غيره، فكذلك لا معبود سواه، وقوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} يعني: أنّه لم يَخْفَ عليه سبحانه ما فعله هؤلاء الطغاة بأوليائه المؤمنين، فلقد رآهم، وشَهِدَ ما فعلوه بهم من التعذيب والتحريق، وسيجزيهم بمثل ما فعلوه بأوليائه، ولذا قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} ، لكن انظروا إلى لُطْفِ اللطيف، وكرم الكريم سبحانه، إنّه حين يتوعّدهم يُعلِّق وعيدَه بعدم توبتهم، فيقول: {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا} ومعناه: أنهم إن تابوا بعد هذه الجريمة العظيمة تاب عليهم، وفي هذا إرشادٌ لجميع العصاةِ والمذنبين إلى أنه لا يجوزُ القنوطُ من رحمة الله، فـ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ