المصلي عقله وفكره في تدبر لمعاني الصلاة وإحكام لأدائها وإيفاء لحقها، فهو غائب عن كل ما حوله ومن حوله، وحفاظًا على هذه الحالة السنية، واستجلابًا لها منع الشرع الحكيم من السلام على المصلي حتى لا يشغله عما هو فيه، وحتى لا يقطع تلذذه بالمناجاة والذكر والدعاء، وحتى لا يحرم لذة الخشوع والتذلل.
وفي بداية التشريع كان السلام ورده جائزًا، ثم نسخ، روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نُسَلّمُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرُدُّ علينا فلمَّا رجعنا من عند النجاشيِّ سَلَّمْنَا عليه فلم يردّ علينا، فقلنا: يا رسول الله كُنا نُسَلِّمُ عليك في الصلاة فترُدُّ علينا، فقال: «إنّ في الصلاةِ شُغْلا» .
فبيّن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنهم كانوا قبل الهجرة إلى الحبشة إذا دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة سلموا عليه، فكان صلى الله عليه وسلم يرد عليهم السلام، فلما رجعوا من هجرتهم إلى الحبشة من عند النجاشي دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فسلمنا عليه، فلم يرد علينا السلام، فلما انتهى من الصلاة، قلنا: يا رسول الله، كنا قبل هجرتنا إلى الحبشة نسلم عليك وأنت في الصلاة فترد علينا، فلما سلمنا عليك اليوم لم ترد علينا، فماذا حدث؟
قال: إن الصلاة ينبغي أن يكون الاشتغال بها مانعًا من الاشتغال بغيرها، وإن الله قد أحدث من أمره أن لا نتكلم في الصلاة.
-وحديث زيد بن أرقم الأنصاري بين كذلك أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة كلام البشر، يكلم الرجل منهم صاحبه الذي بجواره في أمورهما، حتى نزل قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}
[البقرة: 238]
أي: ساكنين خاشعين لا تتكلمون إلا بالتسبيح والتحميد والتكبير وقراءة القرآن، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسكوت ونهانا عن الكلام في الصلاة.