وكان من خبرهم أنَّ النبيَّ عيّن يومَ أُحُدٍ فريقًا من الرُّماةِ للحراسة، وجعل عليهم أميرًا، وأمرهم أن يصْعَدُوا الجبلَ ليحْمُوا ظهورَ المجاهدين، لا يأتيهم العدوُّ مِنْ خلفهم، وأمرهم أن لا ينْزِلوا مهما كانت النتيجة
فلما التقى الجمْعان مكَّن اللهُ للمجاهدين من الكافرين، فأعملوا فيهم السُّيوفَ وأثْخَنُوا في الأرض، ففرّ العدوُّ هاربا، وتبعهم المسلمون يأسرون من يُدركون ويجمعون الغنائم فلما رأى الحرَّاس ذلك قالوا مالنا والبقاء بعد ما انتهى القتال وفرّ العدوّ، وحاول الأميرُ أن يصبّرهم ليثْبُتوا كما أُمِرُوا، ولكن دون جدوى، فنزلوا فلما رأى العدوُّ أنَّ الجبَل قد خلا استدار فريقٌ منهم فعلَوُا الجبلَ، وأخذوا يرمون المسلمين، فكان ما كان وأُصيب المسلمون بالقتل والجراحات، وكان ذلك كلَّه بسبب الاختلاف والتنازع وعدم التطاوع
ولذلك وصّى النبيُّ معاذًا وأبا موسى حين بعثهما إلى اليمن قائلا «وَتَطَاوَعَا ولاَ تخْتَلِفا» ، فإنَّ الاختلاف عمومًا مذموم، واختلافُ الدُّعاة أشدّ ذمًا، ذلك أنهم باختلافهم يصدّون النَّاسَ عن الهدى، ويصرفونهم عن الحق، لأنَّ الناس سيقولون انظروا إلى هؤلاءِ الذين يزْعُمون أنهم يدْعُون النَّاسَ إلى الحقِّ وهم مختلفون، فلو كانوا على الحقِّ ما اختلفوا عليه
فعلى الدُّعاة أن يوحّدوا صفَّهم، ويجتمعوا على كلمتهم، وإذا اختلفوا في شيءٍ حاولوا القضاء على هذا الاختلاف بردّ الأمر إلى الكتاب والسنَّة، كما أمر تعالى فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ النساء ... ، حتى تجمل صورتُهم، وتتضح دعوتُهم، فما أجمل الاتّفاق والتَّطاوع وما أقبح الاختلاف والفرقة
نسأل الله تعالى أن يجمع شمل المسلمين، ويوحّد كلمتهم، ويهئ لهم من أمرهم رشد