ولقد جعل الله تعالى الدعوة إليه هي وظيفة رسولهِ محمدٍ وأتباعه، فقال تعالى «قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي» يوسف ... ، وكان يرغب في هذه الوظيفة والاجتهاد فيها، فكان يقول «بلّغوا عني ولو آية» «من دلّ على خيرٍ فله أجرِ فاعله»
«من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقصُ من أجورهم شيء» ، «لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حُمْر النعم» ، «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»
وخوّف النبي من السكوت على المنكر، وبيّن أن القادرين على تغييره إذا لم يغيروه هلكوا مع أهله، فقال ... «مَثلُ القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينة، فكان بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا بمن فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا فلم نؤذِ مَنْ فوقنا؟ فلو تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإنْ أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا»
ولقد صحح الصديق أبو بكر رضي الله عنه للناس جميعًا هذا المفهوم الخاطئ، الذي يقول عليك بنفسك، فقال رضي الله عنه «أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» ، وإني سمعت رسول الله يقول «إنّ النّاس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابٍ من عنده» فواجبٌ على من تعلم أن يعمل، ومن العمل التعليمُ والدعوةُ، فمن تعلّم وعمل وعلّم فذلك يُدْعَى في ملكوت السماوات عظيمًا
وكلٌّ من التعلم، والعمل، والتعليم، شاقُّ، يحتاجُ إلى صبر ومصابرة، ولذا كانت الصفة الرابعةُ من الصفات المنجيات من الخسران التواصي بالصبر، فالصبر نصف الإيمان، والصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ولذا كثرُ في القرآن الحثّ عليه، والترغيب فيه كما كثرت بذلك الأحاديث، وذلك لأن السفر إلى الله طويل، والطريق شاق، والعقبات كثيرةٌ، فمن لم يكن معه من الصبر الشيءُ الكثير، فإنه لا يقوى على مواصلة السير، ولا يقدر على مشقة الطريق، ولذا يرى الناظرُ كثيرًا من الناس يركبون الطريق ثم يتركونه ويرجعون عنه، والسعيدُ من ثبت وصبر، وقد شبّه العلماءُ الطريق إلى الله بجبل وعرٍ على رأسه رجلٌ يحذر الناس من الصعود، يقول إني أرى ما لا ترون، فأين تذهبون؟ إن هاهنا أهوالاً، وأعداءً لا قِبَلَ لكم بهم، فمن صدّقه فقعد عن الصعود، فقد خاب وخسر، ومن كذبه فصعد وصابر وصبر أَفْضَى إلى جنة عالية، قطوفها دانية
نسأل الله أن يوفقنا للإيمان والعمل الصالح