فهرس الكتاب

الصفحة 1573 من 18318

ومن الغريب أنا لا نسمع بذلك إلا في القرى حيث تحمل الموتى على الأعناق، وإلا في عصورنا المتأخرة التي اتخذت فيها هذه المظاهر سبيلا للارتزاق، وسبيلا للتغرير بضعفاء العقول، لم نسمعه عن ميت محمول في سيارة، أو في قطار، أو في طائرة، لم نسمعه عن باخرة قافلة (راجعة) من بيت الله الحرام، وقد فاضت فيها روح حاج تقي تقى، له بالله صلة خاصة. لم نسمع أن جثته ثقلت أو امتنعت عن أيدي الذين يقذفونه في البحر حتى يحفظ من الحيتان والأسماك، ويدفن في القبور العادية.

لم يطر أحد من الصحابة:

لم نسمع شيئا من ذلك عن أحد ممن ماتوا في العصور الأولى للإسلام، خير القرون، وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة، وحماة الإسلام من الصديقين والشهداء والصالحين. وإذن، فنحن في حل من تكذيب كل ما نسمع من هذا القبيل، ونرفض هذه الأخبار، ولا نعني بالبحث عن أسرارها وأسبابها. والإنسان متى فارق هذه الحياة انقطعت صلته بالدنيا، وصار أمره لله وحده.

ومن غريب الأمر أن مثل هذه الأقاصيص المخترعة لا تروج إلا في زمن التقهقر الفكري، وانصراف الناس عن العمل الجاد المثمر، ولا تروج إلا في بيئات خاصة عرفت بالسذاجة وتصديق كل ما يقال.

وبعد:

فنصيحتي للسائلين أن يتجهوا بأسئلتهم نحو ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وليعلموا أن الحياة حياة السائل، وحياة المجيب، وحياة القارئ والمستمع - أعز من أن تضيع في السؤال والجواب عن طيران الموتى أو تقهقرهم أو تقدمهم، وليس في النعش سوى جثة هامدة ذهبت روحها إلى خالقها، وهو وحده العليم بحالها: ما لها وما عليها"ولا تقف - (لا يقف: لا تتبع ولا تتدخل) - ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا" [الإسراء: 36] .

عنتر حشاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت