لهذا رفع الإسلام من شأن العقل، ولفت ذوى العقول إلى عقولهم ودعاهم إلى الإمساك بها على الصحة والسلامة، وإلى سوقها إلى موارد العلم والمعرفة، وحراستها من الآفات التي تعرض لها، فتذهب بها جملة، أو تعطلها لحظة من لحظات الحياة .. وأنه ما حرم الإسلام (الخمر) وما أنزلها هذا المنزل الذميم بين الكبائر، إلا لأنها عدو راصد للعقل، يغتاله، يفسده، وإذا صاحبه يهذى هذيان المجانين، تتغاير في عينيه وجوه الأشياء، وتغيم في كيانه حقائق المعاني، فلا يميز بين خير وشر، ولا يفرق بين نافع وضار .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] .. أنه لا فلاح أبدا لمن ضل عنه عقله، وغاب عنه وعيه، فأصبح بهيمة في يد الشيطان، يقوده إلى كل مهلكة، وقد وجد فرصته في عدوه المتربص به: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22] .
العقل إذن، هو عين الإنسان التي يرى بها هذا الوجود، ويتعرف بها إلى حقائقه، ويهتدى بها إلى اللَّه، ويتعامل بها مع شرع اللَّه.
والعقل هو الشهادة على الإنسان بين يدى اللَّه تعالى في مقام المساءلة والحساب، وفي موقف الثواب والعقاب ..