فهرس الكتاب

الصفحة 16983 من 18318

وكان شيخنا رحمه الله من هؤلاء الأئمة الذين جمعوا بين العلم وأدبه، فكان لمنهجهم التميز الموفق، والأثر العظيم، فكان الشيخ رحمه الله يسلك مسلك الحجة والدليل والبرهان الناصع مع عفة لسان وحسن أدب، لاسيما عند نقد المخالف، بل لعله أن يعتذر عن مخالفه، فانظر إليه رحمه الله عند إيراده القصة التي رُمِيَ فيها الآمدي بترك الصلاة، فعمد إليه بعضهم وأوقع على رجله شيئًا من الحبر فبقيت نحو يومين فينبري الشيخ انبراء المنصف فيلتمس العذر له فيقول «قد يبقى الحبر أيامًا على العضو مع تتابع الوضوء والغسل، وخاصة عضو من لا يرى التدليك فرضًا في الطهارة، بل يكتفي بإسالة الماء في غسله ووضوئه» ثم يختم القصة فيقول «وعلى كل حال؛ فالأصل البراءة حتى يثبت النقل»

الله أكبر، هذا هو المنهج المتميز الذي يتلألأ أدبًا وأخلاقًا، أين هو من منهج كثير من الناس الذين أغرقوا بتتبع السقطات، وأولعوا بتصيُّد العثرات، فسوء الظن طويتهم، والمبادرة بالاتهام مطيتهم، فالله المستعان

وقد كان الشيخ رحمه الله في تعليقه على مواضع من الإحكام مترسمًا منهج الأدب، فكان يصحح الخطأ، وينبه على الرأي المرجوح، فيقول مثلاً الصحيح كذا، أو فيه نظر ويبين الصواب، ولا يتهم أو يسيء الظن أو يعنِّف أو يقسو في العبارة، نعم قد يمسك المخالف من مأمنه، ويحتج عليه بنفس دعواه، ويتألم لمواضع التناقض عند من يخالفه، أو التعسف في الاستدلال أو تطويع النصوص لخدمة مذهب، أو الإقناع برأي معين

وهذا نموذج يثبت ذلك وهو أن الآمدي رحمه الله كثيرًا ما يكرر أن مسائل الأصول قطعية، فيخالفه الشيخ رحمه الله، ويختار أن مسائل الأصول فيها ما هو قطعي، وفيها ما هو ظني، وقد تعقب الشيخ الآمدي رحمه الله في مواضع صرح الآمدي واعترف بأن بعض المسائل ظنية وأحيانًا يتوقف، ولم يكن الشيخ رحمه الله في ذلك معنفًا ولا متعسفًا، بل يوقف القارئ بكل أدب على خطأ المؤلف وتناقضه في المسألة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت