إن ما يقع من أحداث على أرض فلسطين، وتسارعها حتى تكاد تلتهم الأخضر واليابس يجعلنا في هذه الظروف نذكِّر الفُرَقاء المتنازعين في الفصائل بأن يتناسوا خلافاتهم، وأن يرجعوا عن غيهم، وليعلموا جيدًا أن من نِعَم الله العظيمة وآلائه الجميلة نعمة الأخوة التي أخبر عنها سبحانه بقوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ الحجرات ... ، وجعلها رابطة؛ أساسها العقيدة، وعمادها الإيمان؛ إذ الإيمان قوة جاذبة تبعث أهلها على التقارب والتعاطف والتوادّ، ولا تنافر بين قلوب اجتمعت على إيمان بالله، وعمرها حبٌّ شديد لله ولرسوله؛ إنّه التآلف الذي أشار إليه عزّ اسمه بقوله وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ الأنفال ... ، والذي شبَّه رسول الله واقعه في هذا المثل النبويّ المشرق، فقال «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» متفق عليه، واللفظ لمسلم
وقد نهى عما هو أعظم من ذلك خطرًا وأشد ضررًا، وهو الاقتتال بين الإخوة في الدين؛ لأن هذا الاقتتال دليل صارخٌ على التنكّر لهذه الأخوة والجحود بهذه النعمة، ولأنه فعل مشابه لفعل الكفار الذين يضربُ بعضهم رقاب بعض، فقال عليه الصلاة والسلام في خطبة يوم النحر بعد أن ذكَّرهم بحرمة ذلك اليوم، وحرمة البلد الحرام والشهر الحرام، قال ... «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» متفق عليه