وهذا أيضًا مما يدل على أن الراسخين في العلم يعلمون تفسير المتشابه، فإن المتشابه قد يكون في آيات الأمر والنهي، كما يكون في آيات الخبر، وتلك مما اتفق العلماء على معرفة الراسخين لمعناها، فكذلك الأخرى، فإنه على قول النفاة لم يعلم معنى المتشابه إلا الله، لا ملك ولا رسول ولا عالم، وهذا خلاف الإجماع في متشابه الأمر والنهي، وأيضًا فلفظ التأويل يكون للمحكم، كما يكون للمتشابه، كما دل القرآن والسنة وأقوال الصحابة على ذلك، وهم يعلمون معنى المحكم، فكذلك معنى المتشابه، وأي فضيلة في المتشابه، حتى ينفرد الله بعلم معناه، والمحكم أفضل منه، وقد بيَّن معناه لعباده، فأي فضيلة في المتشابه، حتى يستأثر الله بعلم معناه، وما استأثر الله بعلمه كوقت الساعة لم ينزل به خطابًا، ولم يذكر في القرآن آية تدل على وقت الساعة، ونحن نعلم أن الله تعالى استأثر بأشياء لم يُطلِع عباده عليها، وإنما النزاع في كلام أنزله وأخبر أنه هدًى وبيان وشفاء وأمر بتدبره، ثم يقال إن منه ما لا يعرف معناه إلا الله، ولم يبين الله ولا رسوله ذلك القدر الذي لا يعرف أحد معناه، ولهذا صار كل من أعرض عن آيات لا يؤمن بمعناها يجعلها من المتشابه بمجرد دعواه
وبالجملة فالدلائل الكثيرة توجب القطع ببطلان قول من يقول إن في القرآن آيات لا يعلم معناها الرسول ولا غيره إلى آخر ما ذكر رحمه الله
ومما يدل على ما سبق ما صح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال والذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله، إلا أنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه متفق عليه
وعن مسروق قال «كان عبد الله يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها ويُفسرها عامة النهار» وعن ابن أبي مليكة قال «رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس رضي الله عنهما عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس اكتب قال حتى سأله عن التفسير كله»
قال ابن قتيبة رحمه الله «ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم، وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى، ولم يُنزل الله شيئًا من القرآن إلا لينفع به عباده، ويدل به على معنًى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال، وتعلق علينا بعلة، وهل يجوز لأحد أن يقول إن رسول الله لم يكن يعرف المتشابه؟ وإذا جاز أن يعرفه مع قول الله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ آل عمران ... جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته فقد علمهم نبيهم التفسير
وبعدُ فإنا لم نَرَ المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمرُّوه كله على التفسير»