فهرس الكتاب

الصفحة 17774 من 18318

فهذه قصةٌ تفتح بابَ الأمل لكل عاصٍ مهما عظمَت ذنوبُهُ وكبُر جُرْمُهُ، قتل مائةَ نفسٍ، ونفسُهُ لم تخلُ من نوازِعِ الخيرِ ودوافِعِهِ، بل في أعماقِها بصيص من نورٍ وقليل من أمل وبقية من مخافة الله، ولعله تساءل فيما بينه وبين نفسِه هل انقطعت علاقتُه بربِّهِ؟ لم يستطع أن يفتي نفسهِ، فبحث عن عالمٍ يفتيه وهو يعلمُ أنَّ مسألتَه كبيرةٌ لا يستطيعُ أن يفتِيَه فيها إلا مَنْ عَظُم علمُهُ؛ ولِذا لم يسأل عن عالِم، بل سأل عن أعلم أهلِ الأرضِ، ولم يُقدَّر لمَن دلَّه على من يُفتيهِ أن يدُلَّهُ على أعلم أهل الأرض فعلاً، وإنما دلّوه على راهبٍ؛ والرهبانُ كثيرو العبادةِ قليلو العلم، فاستمَع الراهِبُ لمسألته فاستعظمَ ذنبَه، وظنَّ أنَّ رحمةَ اللهِ تضيق عليه، وأن مثلَ هذا الرجل لا تسعَه رحمةُ اللهِ، وحسْبُك بذلك جهلاً فمدَّ هذا القاتلُ يدَه إلى هذا الراهبِ فقتله، وأتمَّ بقتلهِ المائة؛ لأنه لم يقتنع بجوابهِ

ومع ذلك الأملُ عنده بالله عظيم، فكانت الفتوى من العالم المربي المرشد، فقال له مستغربًا ومن يحول بينك وبين التوبةِ؟ ودلَّه على الطريق الذي يجبُ عليه أن يسلُكَهُ، فكانت النتيجةُ أن قبضتْهُ ملائكةُ الرحمةِ، وغُفِرت ذنوبه العظيمةِ

وعن عبد اللَّهِ بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه عن النبي قال «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ العبد من رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلاً وَبِهِ مَهْلَكَةٌ وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عليها طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وقد ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ حتى اشْتَدَّ عليه الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أو ما شَاءَ الله، قال أَرْجِعُ إلى مَكَانِي فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فإذا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ» البخاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت