والفراغ أيضًا نعمة أنعم الله به على عباده، وهو خلو الوقت من الشواغل، وفراغ القلب من كل ما يتنغص به العيش، وتتكدر به الحياة، فإذا امتنَّ الله على عبده بذلك؛ فلم يقطع وقته وسويعات عمره مؤديًا شكر هذه النعمة بإنفاقها فيما يصلح به شأنه، ويعلو به قدره، ويكثر به خيره، ويسعد به مجتمعه، وتقوى به أمته، بل كان ممن يصرف وقته، ويقطع زمانه لهوًا ولعبًا وعبثًا ومجونًا وإسفافًا وتعلقًا بالأدنى ورضًا بالخسيس، وركونًا إلى القبيح من القول والعمل، فأضاع الوقت الثمين والزمان الشريف سُدًى؛ غُبنَ هنالك غبنًا فاحشًا لا مجال لرفعه والخلاص من آثاره.
ولذا جاء التوجيه النبوي الكريم باغتنام فُرص العمر التي هيَّأها الله، ومنَّ بها على عباده، وتوجيهها الوجهة التي أرادها الله لها، وذلك في الحديث الذي أخرجه الحاكم في مستدركه والبيهقي في شعب الإيمان بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله أنه قال «اغتنم خمسًا قبل خمس حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك» الحاكم والبيهقي وصححه الألباني.
ألا وإن من أجمل سُبُل اغتنام نعمة الفراغ، وأعظمها نجاحًا وتوفيقًا ما اعتاد سلوكه أولو الألباب من الدراسة والتحصيل العلمي في مختلف ضروبه، وما صحب ذلك من جَهْد، وما أدرك النفوس فيه من عناء الكَدّ والطلب كنز العمال.
التعامل مع الوقت
في الوقت الذي طُلب فيه من المسلم ألا يضيع وقته سُدًى، طُلب منه أيضًا ألا يرهق نفسه بالشغل الدءوب قال ابن مسعود رضي الله عنه «كان النبي يتخولنا بالموعظة في الأيام؛ كراهة السآمة علينا» متفق عليه، وفي رواية «كان يتخولنا أن نتحول من حالة إلى حالة» ؛ لأن السآمة والملل يفضيان إلى النفور والضجر، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه «إن القلوب تمل كما تمل الأبدان؛ فابتغوا لها طرائف الحكم» كنز العمال.