عام جديد على نفسك وعملك شهيد، وتتجدد الأعوام عام بعد عام، فإذا دخل العام الجديد نظر الإنسان إلى آخره نَظرة المستبعد، ثم تمرُّ به الأيام سراعًا، فينصرمُ العام كلمح البصر، فإذا هو في آخر العام، وهكذا عُمر الإنسان، يتطلع إليه مؤملاً راغبًا في طول العمر، مهملاً الاستعداد لآخره، فإذا به قد هجم عليه الموت، فإذا بحبل الأماني قد انْصرم، وبناء الجسد قد انْهدم
لقد ضَربت الدنيا على قلوبنا بَسَهْم، ونَصَبتْ في قلوبنا رايات، لَيْلُنَا ونهارنا في حديث عن الدنيا كم نربح؟ كيف نجمع؟ إن ضُرِبَ موعدٌ للدنيا؛ بادرنا إليه مبكّرين، وأقمنا عند بابه فَرحِين، ولا نُبقي للآخرة في قلوبنا إلا رُكنًا ضيقًا، وذكرًا قصيرًا
انظر إذا رُفع الأذان، كم ترى من المبكّرين المسرعين وفي الطرقات ترى أكثر الناس تسير بعجلة للدنيا، ولقد أوصى رسولنا ابن عمر رضي الله عنهما بوصية بليغةٍ تُصحّح منظور المسلم إلى هذه الحياة الدنيا الفانية؛ حيث قال ... «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» البخاري
فعابر السبيل يتقلل من الدنيا، ويُقصر الآمال، ويستكثر من زاد الإيمان، حديثه تلاوة كتاب الله، وهمّه المسابقة إلى الخيرات، فاليوم الذي مضى لن يعود، ولهذا قال معاذ بن جبل رضي الله عنه، وهو على فراش الموت «اللهم إنك تعلم أني لم أكُن أحبُّ البقاء في الدنيا، ولا طول المكثِ فيها، لحفر الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكني كُنت أحبُّ البقاء لمكابدة الليل الطويل، وظمأ الهواجر في الحرِّ الشديد، ولمزاحمة العلماء بالرُّكَب في حِلَق الذكر» أخرجه أحمد في الزهد ص