ومن عجب أنهم يستدلون على خيالهم وجهلهم بقول اللَّه تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ} ويغفلون عن بقية النص وهو: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَإلاَّرْضِ} الآية. ويتجاهلون قوله سبحانه في معرض آخر: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} أي تخشع وتهدأ، وتلتزم السكينة والوقار، فليس الذكر اللساني الغافل، والهذيان الشيطاني الماجن، إلا من تلبيس إبليس على هؤلاء {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} . وقانا اللَّه شر الغافلين والمقلدين على غير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
وأما الفكر لغة فهو تردد القلب بالنظر والتأمل لطلب المعاني. فيقال: لي في الأمر فكر أي نظر. والفكرة اسم من الافتكار مثل العبرة والاعتبار، وجمعه فكر بكسر الفاء وفتح الكاف. يقول اللَّه عز وجل من قائل: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي لمن يحركون أفكارهم ويستعملون عقولهم في النظر والتأمل لما خلق اللَّه في السموات والأرض من كواكب وأفلاك، وسحب وأمطار، وماء وهواء، وغيرها من البراهين الكونية الناطقة في صمت بعظمة خالقها ومبدعها على غير مثال سبق، وكأن لسان حالها يقول: أعلم أن اللَّه على كل شيء قدير، وأن اللَّه قد أحاط بكل شيء علما. فتبارك اللَّه أحسن الخالقين. ولله در القائل:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
أخى المسلم: اذكر ربك في نفسك تضرعًا وخفية، وراقبه مراقبة من يوقن أنه يسمع ويرى، ثم فكر فيما حولك مما سخر اللَّه لك لتزداد إيمانًا، وترسخ يقينًا، وتجدد نشاطك في ذكر وفكر وعلم وعمل وخشية.
هدانا اللَّه وإياك إلى خير ذكره وجلال خشيته وحسن عبادته، وختم لنا بخاتمة الإيمان أجمعين، وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبي الرحمة، وهادي الأمة، وكاشف الغمة، محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
عبد العزيز عثمان النحراوي