فهرس الكتاب

الصفحة 2289 من 18318

وقد تعود التاريخ أن لا يرى البذخ ومظاهر الترف، والتحلل واللهو العبث، وفشو الغناء، وألعاب القوى، والمباريات الرياضية إلى آخر ما هو من مظاهر نهضة المسلمين العرجاء في هذا العصر، إلا في نهاية النهضات الجادة، وبعد فترة طويلة من الزمن بعد أن تكون شعوبها وأممها قد بلغت مكانة ممتازة في عالم القوة والغنى والمجد، ثم يدب إليهم داء الترف شيئًا فشيئًا، بعد أن يكونوا فتنوا بالحياة ومباهجها ومتعها، وتوارثوا الغنى واليسار جيلًا بعد جيل حتى أصبح المتأخرون لا يشعرون بجهود المتقدمين في تحصيل ذلك الغنى وهذا المجد والعظمة، فيستنيمون للراحة، ولحياة الدعة، وتبتدئ تلك المظاهر التي ابتلينا بها في بدء نهضتنا الحالية، تفت في عضدهم وعضد حكوماتهم ونهضاتهم شيئًا فشيئًا، وكلما استسلموا لذلك تمكن هذا الترف منهم، حتى ينتهي الأمر بالقضاء عليهم القضاء النهائي.

وحياة بلاد اليونان القديمة خير شاهد على ذلك. فشيوع الألعاب الأوليمبية في عالم اليوم، إنما هو توارث لما كان عليه أهل اليونان في نهاية نهضاتهم وكذلك بلاد الرومان، والفرس، ومصر القديمة، وحضارات بابل وغيرها من تلك الحضارات الغارقة في عالم القدم وفي عالم الترف، إنما قضى عليها هذا الترف، وهذا التحلل وهذا الفن، والألعاب الأوليمبية. وكذلك عندما شاع الغناء والتبرج في الأمة الإسلامية شرقها وغربها قضى عليها بالتخلف والتدهور الذي نعاني منه إلى اليوم، فالنتدبر ذلك جليًا، ولننظر إلى أمم الغرب الحديث، نجد أن نهضاتها قامت على الجد، وعلى الخشونة وعلىالتدين، وأن هذا الانحراف الذي نستجلبه منهم، لم يظهر في بيئتهم إلى على سنة الحضارات السابقة، وبعد بلوغهم إلى هذا المستوى العلمي والمالي والصناعي والحربي الذي هم عليه الآن.

فأخشى أن نسير معهم إلى النهاية من حيث نظن أننا نبتدي إلى الغاية ونؤسس نهضة ونكون حضارة، ومجدًا، فيقضى علينا وعليهم بسيف واحد هو سيف التحلل، والترف، والانحلال والغناء والتمثيل والرقص، والشرب، ولكنهم في ذلك سيكونون خيرًا منا، إذ هم يكونون قد انتهوا بانتهاء حضارتهم وأما نحن فنكون ق انتهينا من حيث ظننا أننا نبدأ حضارتنا.

إن الذين يجدون في حياتهم ويحاولون أن يبنوا نهضة تنفعهم وتنفع أخلاقهم، إنما يبنونها على التدين وعلى حياة القوة والخشونة والجد والبعد عن الترف في المكاتب والبيوت والسيارات، ومجانبة الإسراف في مال الدولة، ورصد كل قرش فيما يفيد ويغني. والالتزام بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} والنظر دائمًا إلى قوله: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} صدق اللَّه العظيم.

د. إبراهيم هلال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت