فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فليس بعد هذه الطريقة- طريقة الغزالى- إلا هذا، وهذا هو والمتصوفة جميعهم، يدعون أنهم مؤمنون، ولكنهم شاكون سلكوا طريق التصوف للوصول إلى الإيمان، أو لرؤية اللَّه جهرة، ويسمون ذلك المعرفة، ويسمون من وصل إلى هذه الرحلة من الهوس أو الدجل (عارف) . فالعارف عندهم هو من رأى اللَّه جهرة- وهو ما كشف له ما لا يكشف للأنبياء، ومن وصل إلى ما منع منه موسى عليه الصلاة والسلام حين طلبه تمشيًا مع لجاجة قومه، كما ادعى ذلك ابن الفارض وغيره.
وهكذا يصلون إلى الضلال ويقولون أنهم (عارفون) ، ويتبوءون مقاعد الوثنية ويقولون أنهم (أولياء للَّه) .
وبهذا فليس هذا المنقذ الذى سماه الغزالى كذلك، إلا مضلًا ومهلكًا وملقيًا في أودية الكفر والخروج عن الدين. لأن هذه الحالة التى اعترته والتى يقول فيها أنه وصل إلى العرفان، هى حالة هستيرية اعترت عقله، وخبل استولى عليه، فرأى ما يراه المجانين، وجاءت الشياطين في هذه الحالة واستهوته، وأوهمته أن هذا هو الحق، وأنه رأى اللَّه وأنه بهذه الرؤية عرف أن هناك إلهًا، وبذلك آمن. ولكنه في الواقع لم يؤمن، وإنما ظل على الشك، لأنه يحكى في هذا الكتاب نفسه بعد هذه التجارب وهذه الرؤيا، أن شكه ما زال يلاحقه، ويظهر أن هذا الفصل الأخير من الكتاب (سبب نشر العلم بعد الإعراض عنه) كتبه مؤخرًا بعد هذه التجارب.
وبعد. فما كان الأقرب لرجل يؤمن باللَّه واليوم الآخر، إذا اعتراه شك أن يلجأ إلى كتاب اللَّه وسنة الرسول، بدل أن يلجأ إلى فلسفة الفلاسفة وبدع المتكلمين الباطنية والصوفية، ويهتدى بهدى اللَّه في ذلك؟ ألم يقرأ قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ؟ وقوله: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} ؟ وقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ؟ ..
ويظهر أن الرجل فعل ذلك أخيرًا وفي آخر حياته، ولم يمهله الأجل حتى يسجل كتابه لنا ذلك، وربما قد يكون سجله، ولكن المولعين بالتصوف وعلم الباطن، ضيعوه ولم ينقلوه إلينا. وإن كان قد وضح ذلك بطريقة تكاد أن تكون صريحة في كتابه (الجام العوام عن علم الكلام) الذى كتبه قبيل وفاته بأشهر، وإن كان لم يعلن فيه رجوعه عن التصوف، أو ندمه على ما بدر منه في ذلك. ولكن الثقات يحكون عنه هذا ويتحدثون بذلك، وأنه عكف في آخر حياته على صحيحى البخارى ومسلم، وينقل عنهم أيضًا ابن تيمية أنه مات على أحسن أحواله.
د. إبراهيم هلال