فلم نر أن يعقوب عليه السلام توسل بأبيه إسحاق أو جده إبراهيم خليل الرحمن عليهما السلام في محنته، ولم نر أن يوسف وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم توسل بواحد من آبائه الكرام عند اللَّه في تفريج كربته وتحقيق طلبته، وإنما توجه كل منهما لله مباشرة بالدعاء فاستجاب لهما وحقق لهما الرجاء. وهذا موسى عليه السلام لما توعده فرعون والذين آمنوا معه: {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ - قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ - قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 127 - 129] .
إنه لم يقل للمؤمنين استغيثوا بى وإنما قال: استعينوا باللَّه فهو وحده القادر على أن يهلك عدوكم ويجعلكم خلفاء في الأرض.
وهذا داود عليه السلام الرسول الملك لما ظن أن اللَّه فتنه بهؤلاء الذين تسوروا عليه المحراب وفزع منهم ماذا كان منه: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24] ، هكذا لجأ إلى ربه واستغفره {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 25] . وجعل اللَّه له الجبال تؤوب معه والطير وألان له الحديد {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} .