ولما زالت الشمس أمر بلالا أن يؤذن للظهر، فصلى ركعتين ثم أمر بلالا أن يقيم للعصر فصلاه أيضا ركعتين جمع تقديم ليتفرغ للدعاء. ثم دفع إلى الموقف وقال ها هنا وعرفة كلها موقف. وظل يدعو اللَّه تعالى حيث قال: (( أفضل الدعاء يوم عرفة ) )ومرة يهلل وتارة يلبى ومرة يدعو ومما عرف عنه قوله بعرفة (( اللهم لك الحمد كالذى نقول وخيرا مما نقول ) ). (اللهم لك صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى وإليك رب مآبى. ولك رب تراثى. اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجئ به الريح .. ) إلى غير ذلك من الدعوات. وفي موقفه بعرفة نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} وعند الغروب دفع إلى المزدلفة مسرعًا وصلى بها المغرب والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء ركعتين. وبات بها عند المشعر الحرام ولما أصبح صلى الصبح وذهب إلى المشعر الحرام فذكر اللَّه وهلل وكبر. ثم اندفع إلى منى فرمى جمرة العقبة بعد شروق الشمس وكان قد أمر بجمع 7 حصيات من الطريق. ثم نحر بيده 63 بدنة وأمرهم أن يضعوا قطعة لحم من جميع الذبائح في قدر وشرب من مرق الجميع وأكل من لحمها، وبعد الذبح حلق رأسه الشريف ودعا للمحلقين ثلاثا فقال أحد الصحابة والمقصرين يا رسول اللَّه فقال والمقصرين.
وفي هذا دليل على فضل الحلق على التقصير- ثم توجه إلى مكة وطاف طواف الإفاضة بغير إحرام، وعاد إلى منى للمبيت فيها وفي يوم 11 ذى الحجة رمي الجمرات الثلاث كلًا منها بسبع حصيات أخذها من منزله. ولم يجلبها معه من مزدلفة كما يفعل الناس، ولم يغسلها أيضًا وبات في منى ثلاث ليالٍ يؤدى الصلاة في جماعة ويقصر الصلاة فيها، ويقول: (( أيام منى أيام أكل وشرب ) ).
وكان - صلى الله عليه وسلم - قد اختار التأخير الذى أشارت إليه الآية الكريمة {وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ (أيام منى) فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} - وتمت أيام منى على أحسن حال. ثم طاف بالبيت طواف الوداع صباح اليوم الخامس عشر من ذى الحجة وتوجه إلى المدينة. وفي ذلك الوقت دخل على إحدى نسائه فوجدها قد حاضت. فقال أحابستنا هى؟ قالوا يا رسول اللَّه إنها أفاضت يعنى طافت طواف الإفاضة. فأسقط عنها طواف الوداع لتنضم إلى الركب. وفي هذا دليل أن المرأة تحبس أهلها عن السفر حتى تطوف طواف الإفاضة. هذه هى حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - باختصار.
اللهم اهدنا السير على نهجه / واجعلنا ملتزمين سنته، مستمسكين بشريعته لنحظى بالوعد الحق (( من تمسك بسنتى وجبت له شفاعتى ) )
واللَّه ولى التوفيق ..
محمد على عبد الرحيم