وليست هذه الحرب مبادءة ومفاجأة، وإنما تسبقها دعوة سلمية إلى الإسلام، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدئه نشر الدعوة برسائله إلى الرؤساء والملوك، في داخل الجزيرة العربية وخارجها، ثم لما لم تجد الوسائل السلمية والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، كان الجهاد وكان القتال وكان الانتصار والفتح، وهو قتال كان يبدأ بالأذان على الحدود، فإذا أجاب القوم كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وحينما لا يجيبون كان القادة والحكام المتجبرون، والرؤساء والملوك الجائرون، يخيرون بين أمرين: إما ترك المسلمين يدخلون البلاد صلحًا، كي يحكموها بحكم الإسلام، ويؤمنوا شعوبها بأمن الإسلام، ويذيقوهم حلاوة العدل والرحمة، ثم هم بعد ذلك أحرار في عقائدهم، وإما أن تعلن عليهم الحرب، ويفصل السيف في ذلك الأمر ويرد الحق إلى أهله، ويوصل العدل إلى المظلومين. وكان الله ينصر نصراء العدل، ويورث المسلمين أرض الظلمة وديارهم وأموالهم. فيكونوا كما قال فيهم (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ) [آل عمران: 110] .
إذن فليس الجهاد في سبيل الله، وليست الفتوحات الإسلامية عدوانًا على الآمنين، وإنما هي عدوان على المتجبرين والظالمين، وتخليص لخلق الله من ظلم من فجروا فيهم وبغوا عليهم. فالحرب في الإسلام إذن هي وسيلة لإزالة أعداء الشعوب وأعداء الإنسانية من طريق العدل والرحمة الواصلين إليهم من الله سبحانه حيث يصرون على التجبر، وعلى مقاومة العدل وعن رده عن أن يدخل على عباد الله في أرض الله.
وبعد:
فهل بان لك أيها الأخ المسلم مدى ما أولاك الله به من ثقة، ومدى ما أعزك به من قوة حيث أمرك بالدعوة المستمرة إلى الإسلام، على طول الزمن ومدى الأيام، ولو مرت آلاف السنين، أو (ملايينها) .