فهرس الكتاب

الصفحة 4092 من 18318

والذي يجوس خلال هذه البيئة القرآنية يروعه التركيز الشديد على أهل الكتاب، في تصوير بليغ يمسح السطوح، ويكشف الأعماق، ويستقصي الخواطر، ويجسم المعاني، حتى يروا عرايا مكشوفين، معزولين عن الهالة التي حاكها أهل الكتاب حول أنفسهم، وكثفتها أمية العرب، وعقدة النقص، ونظرة التقدير التي كانوا ينظرون بها إلى أصحاب الديانات القديمة.

في رحاب البيئة

وأنت ترى خلال هذه البيئة يد الله المبسوطة بالنعم تقابل بالكفران، بالافتراء، والتحريف، ونقض المواثيق، والعداوة الحمراء لكل صوت يشجب فعالهم، ويعلن ضلالهم، ويندد بالمزاعم المفتراة.

وتعجب وأنت تشهد الإيمان يتحدى عتو الكفر، والنور يمحق فلول الظلام، والحق يستهين بكل قوى الضلال التي تعترض مسيرة المؤمنين المتحصنين بدينهم، الخبراء بدنياهم، العارفين بمقتضيات سنن الله في الوجود. وفي هذا تربية للمؤمنين أي تربية فلا يهنون ولا يحزنون، ولا ييئسون.

وترى في البيئة تذكيرًا بالكتابين اللذين تعرضا للعبث، والتحريف والمسخ، حتى ابتعدا عن أصلهما، وعن الهدف الذي أنزلا من أجله، وهو التطبيق، والاحتكام، والالتزام. لا مجرد التلاوة، أو الاستماع، أو التبرك، وفي هذا التنديد بصنيع أهل الكتابين تحذير للمسلمين أن يتبعوا سنن من قبلهم، ويلفوا لف من سبقهم.

وموقف التنديد بصنيع أهل الكتابين، يقتضي إشادة بالقرآن مصدقًا لما بين يديه من الكتاب، ومهيمنًا عليه، في إحاطة بحقائق الأديان تبوئ هذا الكتاب مقام الشهادة على جميع الكتب، ما وافق القرآن منها كان حقًا، ومالا فلا. بمثل هذه الخصائص صار للقرآن المقام الأسمى، وتحتم الالتزام بشرعة محمد صلى الله عليه وسلم التي تناسب العمر العقلي للبشرية الراشدة التي بلغت أشدها، واستوت، والالتزام بمنهاجه الذي أسس على أصول تربوية، مرنة، تناسب التطور الإنساني المستمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت