فهرس الكتاب

الصفحة 4179 من 18318

يحاول بعض الناس تلمس حكمة الصوم فيقول: إن هدف الصوم في النهاية أن يحس الغني المترف من خلال الصوم بآلام الجوع فيعطف على الجائعين لأنه أحس بما يحسون وكابد مثلما يكابدون، ولو صح هذا لما جاز أن يصوم الجوعان، لأنه أدرى الناس بحقيقة الجوع، ويقول البعض الآخر: بل إن هدف الصوم هو صحة البدن، حيث أن الصوم هو أعظم صيانة لأعضاء الجسم التي تقوم بعمل دائب ومستمر متعاونة على هضم صنوف الطعام التي يتناولها الإنسان وهي مباحة له في كل لحظات النهار والليل حتى يأتي رمضان فيمتنع لساعات طويلة عن تناول الطعام والشراب، وهذا الامتناع يتيح الفرصة لراحة هذه الأعضاء وصيانتها، كما يتم ذلك للآلات حتى تستمر في أداء عملها بكفاءة عالية .. ولكن الصيام في حقيقته أسمى وأعظم من كل ذلك .. وتتضح الحكمة، ويستبين الهدف من الصوم من آية فرضية الصوم نفسها حيث يقول الله تعالى: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ) [البقرة: 183] ويصدق هذا المعنى تمامًا على الصائم، حيث أن تصرفه يختلف تمامًا عن تصرفه وهو مفطر .. فالصائم يكون إحساسه بمراقبة الله عز وجل أعمق، فيرتفع بخلقه من خلال خشية الله الذي يحس بمراقبته عن كل ما يفسد عليه صومه، فهو لا يفحش في قول ولا فعل، ولا يغش في عمل ولا حديث، ولا ينظر إلى محارم، ولا يكذب، ولا يستسلم لغضب، ولا يستجيب لاستفزاز .. وهو مأمور أن يذكر نفسه دائمًا بأنه في عبادة إذا ما حاول أحد استفزازه (( وإذا سبه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم ) )، ليعصم نفسه من الوقوع في أمر يبعده عن تقوى الله .. والصوم بهذا المفهوم إذا وسيلة تربي في الإنسان ملكة المراقبة لله حتى يصير ذلك طبيعة فيه.

(يتبع)

مصطفى برهام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت