وتجمع له أمه أهله وعشيرته من أشراف مكة، ويقف (مصعب) أمامهم في ثبات ويقين ليعلن أنه آمن بالله ورسوله ويتلو عليهم بعض آيات الذكر الحكيم. يقف (مصعب) أمام جبروت عشيرته وأمه صامدًا صمود الجبال الراسيات لا يرهبه تهديد، ولا يخيفه وعيد .. وتشعر أمه أن إيمانه العميق الأعزل يهزم صلفهم وقوتهم وأسلحتهم .. وهكذا قررت أن تحبسه في ركن قصي من دارها .. وظل رهين محبسه حتى خرج بعض إخوانه المؤمنين مهاجرين إلى الحبشة، فاحتال حتى خرج من محبسه ومضى معهم إلى الحبشة مهاجرًا إلى الله ... حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا ..
ويعود المهاجر الأواب بعد فترة ليستقر إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانت أمه بعد أن يئست من عودته إلى دين قومها قد حرمته من كل أسباب النعمة التي كانت تمتعه بها فقد كانت صاحبة مال وفير .. وآثر (مصعب) المسغبة وشظف العيش مع الإيمان على النعمة والترف مع الكفر
خرج يومًا على بعض إخوانه وهم جلوس حول الرسول الكريم، وما أن رأوه حتى خفض بعضهم رأسه .. ودموعهم تترقرق في العيون .. ذلك أنهم رأوه يلبس جلبابًا باليًا .. وقد ظهر عليه ما يعانيه من فقر .. وعادت أمام أبصارهم صورته الأولى أيام كان زينة كل مجلس، وزهرة كل منتدى .. وينظر إليه الرسول صلى الله عليه وسلم نظرة حانية ويقول: (لقد رأيت مصعبًا هذا وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حبًا لله ورسوله) .