وفي ذلك من الحكمة الألهية ما يجلي صدأ القلوب وينير البصائر، كي يظل دولاب الحياة سائرًا دون عطب، إذ لو أن كل إنسان علم ما يحدث له مستقبلًا لتوقفت الحياة وشلت حركتها، وبيان ذلك قول الله سبحانه (( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) )
ومع هذا البيان الكافي والبلسم الشافي يأبي محرفو الكلم عن مواضعه إلا أن يوهموا أمثالهم قائلين - تثبيتًا للضلال في العقول - أن الشيخ الفلاني أرشد على المخبوء الذي حار فيه النطاسيون والمهرة، وما أدراك ما أرباب (المندل، وضارب الودع، وقارئة الفنجال، والكف)
إن الغيب منفي عن سوى الله سبحانه. وتعالوا نناقش هذه القضية بإيجاز حيث لن أكون أول من تكلم فيها - فلقد سبقني المنصفون بيانًا تبيانًا.
الملائكة لا يعلمون الغيب:
نعم - الملائكة وهم عباد مكرمون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا علم لهم بالغيب الذي اختص الله به نفسه. وبيان ذلك في قوله تعالى (( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) )30 البقرة.
وتمضي الآيات كريمة عظيمة تفند اختيار الله لآدم واصطفاءه عليهم، حتى عقد اختبارًا لهم أمام آدم، فكانت النتيجة عجزهم التام، ونجاح آدم عليه السلام، وظهر الحق في اختيار الحق، وختم المطاف بقول الله (( أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) )
الجن لا يعلمون الغيب: