والمدقق في هذه المشتقات الثلاث يجد أنها قد وردت في كتاب الله تعالى في سياق تشريع مسائل (الحج) ، ولذلك تداول أهل العلم استخدامها في هذا الباب خاصة. حتى قال ابن عباس في تفسيره لقوله تعالى: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) : (يعني بذلك مناسك الحج) . (ابن كثير(دار الأندلس) (2/ 473) وإلى هذا المعنى وجه الراغب الأصفهاني - في المفردات (ص 262) - كل هذه المشتقات، حين قال: (ومشاعر الحج معالمه الظاهرة للحواس، والواحد مشعر. ويقال شعائر الحج، الواحد: شعيرة ... وسمى بذلك لأنها تشعر - أي تعلم(1) : بأن تدمي بشعيرة، أي: حديدة يشعرها بها) - هكذا قال - وهو امتداد لفهم ابن عباس، وابن عباس هو الذي يقول في الآية (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب) : (تعظيمها استسمانها واستحسانها) (ابن كثير 4/ 638) . وهو يعني بذلك البدن والهدايا.
وشعائر الله أوامره الواضحة:
لكن المعنى لم يتحجر عند مجرد إرادة مناسك الحج، فقد صرح المفسرون بأن شعائر الله أوامره. وقيل: شعائر الله محارمه. كلاهما صواب، وامتداد للمعنى اللغوي العام الذي ذكره اللغويون، لأن الشعائر هي المعالم الظاهرة. ويقول صاحب (روائع البيان ص 133) .
(والشعائر تطلق على كل معالم الدين التي تبعدنا الله تعالى بها: كالطواف، والسعي، والأذان إلخ) .
قلت: يفهم من ذلك جميعًا أن كلمة (شعائر) آكد من كلمة (أوامر) ، لأنها تحمل معنى الوضوح والبروز والعلمية (2) ، فهي معالم الشريعة ومواقف العبادة وواضحات التكاليف، ومن ثم كان تعظيمها دليل التقوى المتعمقة في النفوس الضاربة بجذورها في حنايا القلوب.
وعلى النقيض من ذلك من أهدرها ولعب بها فهو دليل رقة في إيمانه، ودياثة في دينه.
(أنا لست من ماء ولا من طين) !: