فهرس الكتاب

الصفحة 6250 من 18318

فمن الكتاب العزيز نسوق هذه الآيات البينات التي لا تقبل جدلًا ولا تحتمل تأويلًا إلا عند من في قلوبهم زيغ، ممن يصرفونها عن معانيها المفهومة منها، إلى مالا تحتمله من المعاني الفاسدة، جريًا وراء أهوائهم، فيحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون على الله بغير علم.

1 -أخبر الله عز وجل في سبعة مواضع من كتابه، أنه استوى على العرش، ولا معنى لذلك أبدًا إلا علوه وارتفاعه عليه، كما فسره بذلك مجاهد وأبو العالية وغيرهما من أئمة التفسير، كما رواه عنهم الإمام البخاري في صحيحه عند رده على الجهمية والمعطلة. وكل من حاول صرف هذه الألفاظ عما دلت عليه فقد اتهم الله عز وجل بالقصور في البيان، واتهم كتابه العزيز بالغموض والتعمية والالغاز. فإن اللغة التي نزل بها القرآن لم تستعمل أبدًا لفظ الاستواء متعديًا بعلى إلا بمعنى العلو والارتفاع ونحن نتحدى أن يأتي أحد بنقل صحيح عمن يعتد بهم في لغة العرب أنه ذكر للاستواء معنى غير ذلك.

وأما تأويله بالاستيلاء على العرش استنادًا إلى قول الشاعر المجهول:

قد استوى بشر على العراق

بغير سيف أو دم مهراق

فهو من أسمج التأويلات وأشدها فسادًا إذا يقتضي أن العرش كان في حوزة غيره سبحانه، فلما خلق السموات والأرض ملكه واستولى عليه، مع أنه سبحانه لم يزل مستوليًا على العرش وعلى الملك كله منذ خلقه، وأيضًا لو كان الاستواء بمعنى الاستيلاء كما يزعمون لما كان الاستواء معنى خاصًا بالعرش، بل لجاز أن يقال استوى على الأرض، كما يقال استوى على العرش. إذ هو مستول عليها كاستيلائه على العرش.

وليس في استيلائه على العرش معنى يمدح به، فإن العرش لا يعدو أن يكون من جملة مخلوقاته، وإنما يظهر المدح في ارتفاعه وعلوه عليه لتدبير أمور خلقه، كما قال من سورة يونس عليه السلام: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت