فهرس الكتاب

الصفحة 6260 من 18318

إن الذوق القرآني ينقض ذلك الفهم قطعًا .. إذ معنى (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي إلزموا أنفسكم، فاصبروا على عمل ما يصلحها، ويدخرها لها في الآخرة، من خير ورضوان، وكل ذلك يستلزم بذل النصح والهداية للآخرين، وترك ذلك ينتقص من قدر إصلاح النفس، فنفس المؤمن معطاءة للخير باذلة للهدى، لا تعرف الأثرة، وتخشى على غيرها حرمان الخير ومذاق الحق .. !

وكم كان أليمًا على نفوس الصادقين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ضلال غيرهم، من الذين قالوا: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِءَابَاءَنَا) ورفضوا سماع نداء الحق، فنبه الله تبارك وتعالى إلى أن ضلال غيرهم ليس بضارهم شيئًا، ما داموا قد أدوا واجب الدعوة والنصح، فهو كل ما لغيرهم عليهم من حق في ذات المنهج، وليسوا مكلفين مطلقًا بحمل الناس على الهدى، وليسوا على القلوب بمسيطرين، وقد خاطب الحق تبارك وتعالى نبيه بقوله: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) وخاطبه بقوله تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) وخاطبه بقوله: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) وقال تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) فلا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على دخول المدعوين حظيرة الإسلام حزينا على عنادهم وتكذيبهم، فكان أن رفع الحق تبارك وتعالى عنهم إصرهم، وأنبأهم أن ضلال الضالين لا يلحقهم، وإصرار المعاندين لا يمسهم، ولا يعود عليهم بالائمة، طالما أدوا إليهم حقهم، وقاموا بواجب إبلاغهم دعوة ربهم، فعلى المهتدى حق لربه، وعليه حق لغيره، لابد من أدائه، ولابد من الصبر على أداء هذا الحق .. !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت