وهذا المفهوم للإيمان هو العقيدة التي أنزل الله بها كتبه، وأرسل بها رسله، وجعلها وصيته في الأولين والآخرين، فهي عقيدة واحدة لا تتبدل بتبدل الزمان أو المكان ولا تتغير بتغير الأفراد أو الأقوام (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) .
وما شرعه الله لنا من الدين ووصانا به كما وصى رسله السابقين هو أصول العقائد وقواعد الإيمان لا فروع الدين ولا شرائعه العملية فإن لكل أمة من التشريعات العملية ما يتناسب مع ظروفها وأحوالها ومستواها الفكري والروحي: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا) .
وإنما جعل الله هذه العقيدة عامة للبشر وخالدة على الدهر لما لها من الأثر البين والنفع الظاهر في حياة الأفراد والجماعات.
فالمعرفة بالله من شأنها أن تفجر المشاعر النبيلة وتوقظ حواس الخير وتربي ملكة المراقبة وتبعث على طلب معالي الأمور وأشرافها وتنأى بالمرء عن محقرات الأعمال وسفسافها.
والمعرفة بالملائكة تدعو إلى التشبه بهم والتعاون معهم على الحق والخير، كما تدعو إلى الوعي الكامل واليقظة التامة، فلا يصدر من الإنسان إلا ما هو حسن، ولا يتصرف إلا لغاية كريمة.
والمعرفة بالكتب الإلهية .. إنما هي عرفان بالمنهج الرشيد الذي رسمه الله للإنسان، كي يصل بالسير عليه إلى كماله المادي والأدبي.
والمعرفة بالرسل إنما يقصد بها ترسم خطاهم والتخلق بأخلاقهم والتأسي بهم، باعتبار أنهم يمثلون القيم الصالحة والحياة النظيفة التي أرادها الله للناس.
والمعرفة باليوم الآخر هي أقوى البواعث على فعل الخير وترك الشر.