فطرقت الجارية على العود وأخذت تغنى، فسالت دموع سعيد على لحيته وانتحب.
قال الحجاج: ما لك، أطربت؟
قال سعيد: لا، ولكنى رأيت هذه الجارية سُخرت في غير ما خلقت له، وعودٌ قطع وجعل في المعصية.
قال الحجاج: لماذا لا تضحك كما نضحك؟
قال سعيد: كلما تذكرت يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور ذهب الضحك.
قال الحجاج: لماذا نضحك نحن إذن؟
قال سعيد: اختلفت القلوب وما استوت.
قال الحجاج: لأبدلنك من الدنيا نارًا تلظى.
قال سعيد: لو كان ذلك إليك لعبدتك من دون الله.
قال الحجاج: لأقتلنك قتلة ما قتلها أحدٌ من الناس، فاختر لنفسك.
قال سعيد: بل اختر لنفسك أنت أي قتلة تشاءها، فوالله لا تقتلني قتلة، إلا قتلك الله بمثلها يوم القيامة.
قال الحجاج: اقتلوه.
قال سعيد: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين.
قال الحجاج: وجهوه إلى غير القبة.
قال سعيد:"فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ" (البقرة: 115) .
قال الحجاج: اطرحوه أرضًا.
قال سعيد وهو يتبسم:"مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى" (طه: 55)
قال الحجاج أتضحك
قال سعيد: أضحك من حلم الله عليك وجرأتك على الله
قال الحجاج: اذبحوه.
قال سعيد اللهم لا تسلط هذا المجرم على أحد بعدى.
وقتل سعيد بن جبير، واستجاب الله دعاءه، فثارت ثائرة بثرة (1) في جسم الحجاج، فأخذ يخور كما يخور الثور الهائج، شهرًا كاملًا، لا يذوق طعامًا ولا شرابًا، ولا يهنأ بنوم، وكان يقول: والله ما نمت ليلة إلا ورأيت كأني أسبح في أنهار من الدم، وأخذ يقول: ما لي وسعيد، ما لي وسعيد، إلى أن مات.