إن المقابل لمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ليس إلا شيءٌ واحدٌ بغير مبالغة ولا مواربة، المقابل هو العمى، والعمى؛ هو الذي ينشئ الجهل بهذه الحقيقة الكبرى الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، والناس إزاء هذه الحقيقة فريقان، مُبْصرون؛ فهم يعلمون - ويخلصون لله دينهم - وعُمْىٌ لا يعلمون، والعمى عمى البصيرة واستغلاق القلوب: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون) [المطففين: 14] .
والخلاصة: أن توحيد الله، عز وجل، في ذاته وصفاته وأسمائه، وإفراده بالعبادة هو قاعدة الدين الراسخة التي لا يسبقها عمل، ولا يقوم بناءٌ ولا يتحقق إيمان إلا بتحقيقها، أي براءة من كل زور وباطل ووثنية تقديس الموتى ممن يسمونهم بالأولياء: (وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُون) [الأحقاف: 5] ، وبراءة من كل طاغوت يصد عن دين الله، واتباع الهوى والعادات والوراثات.
والتوحيد؛ هو دعوة الله التي أرسلَ بها صلى الله عليه وسلم وواجه بها صناديد قريش - للأمة كلها - يوم جاءوا يفاوضون عمه أبا طالب بغية إصلاح ما بينه وبينهم، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم؛ تقولون: لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه) ، وكان مفهوم كلمة التوحيد من الوضوح في أذهان زعماء المشركين يومئذ بحيث لم يجدوا حاجة إلى أي جدل في شأنه صلى الله عليه وسلم؛ فهو لا يقبل منهم إلا الإسلام والبراءة من عبودية غير الله، عز وجل، وهكذا الرسل جميعًا مع أقوامهم، فعادٌ قوم هودٌ، عليه السلام، وقد دعاهم بدعوة الله وتوحيده فيقولون له: (أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُءَابَاؤُنَا) [الأعراف: 70] .
إن التوحيد هو الولاء والعبودية الخالصة لله عز وجل: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)