فبادروا بالإيمان، وبادروا بالأعمال الصالحة، فإن الفرصة قد لا تتكرر؛ ولذلك قال كعب بن مالك في قصة تخلفه عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك: غزا النبي صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر، فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقض شيئًا، وأقول - في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديًا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا، ثم غدوت، فرجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي، حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي.
قال ابن القيم في ذكر فوائد هذه القصة: ومنها أن الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة، فالحزم كل الحزم في انتهازها والمبادرة إليها، والعجز في التأخير والتسويف بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاص قلما ثبتت، والله سبحانه يعاقب من فتح له بابًا من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بين قلبه وإرادته، فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبة له، فمن لم يستجب لله ولرسوله إذا دعاه، حال بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكنه الاستجابة بعد ذلك (2) .
فيا عباد الله بادروا بالاستجابة، وهلموا إلى السمع والطاعة وتزود:
تزود من التقوى فإنك لا تدري
إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكًا
وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري
وكم من صغار يرتجى طول عمرهم
وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر
وكم من عروس زينوها لزوجها
وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر
وكم من صحيح مات من غير علة
وكمن من عليل عاش حينًا من الدهر