أين ذهبت عقول هؤلاء المغتابين؟ كيف بهم ينهشون أعراض المسلمين ويأكلون لحومهم، وهم يسمعون هذا الحديث؟ فليبشروا بأظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، إنها أظفار فاقت أظفار الوحوش الضارية، ليزدادوا عذابًا، جزاءً وفاقًا على أفعالهم القبيحة، وأعمالهم السيئة؛ فأقلوا أو استكثروا أيها المغتابون بعد هذا من غيبتكم.
ولقد عظم الله ورسوله الغيبة تعظيمًا؛ حتى قالت عائشة، رضي الله عنها: قلت:
يا رسول الله حسبك من صفية كذا وكذا - قال بعض الرواة: تعني قصيرة - فقال صلى الله عليه وسلم: (لقد قلت كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته) (4) . ومعنى (مزجته) : خالطته مخالطة يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها.
الله أكبر؛ كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته، كلمة واحدة تفعل هذا الفعل وتؤثر هذا التأثير، فما أدراك بما يفعله المغتابون اليوم وألسنتهم لا تكل ولا تمل مما يفعلون، أي بحار تمزج كلماتهم لو مزجت بها، وأي مياه تنتن؟ وأي طيب عيش يفسدون؟
والمغتاب ينتن الريح؛ يشهد لذلك ما جاء في الحديث؛ عن جابر، رضي الله عنه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فهبت ريح منتنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين) (5) .
كما أن المغتاب جبان ضعيف الشخصية؛ لأنه لا يستطيع المواجهة، ولا يقوى على المصارحة، ولو كان شجاعًا لذكر المرء بما فيه أمامه، وبين له بالحسنى صفاته وأفعاله، لماذا لا يكون الواحد منا شجاعًا يواجه صاحب العيب بعيبه؟ فيكون مأجورًا مشكورًا، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، محققًا في نفسه قول الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين) [فصلت: 33] .
كما أن المغتاب ناقص الإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (6) .