فهذه أسباب قدرية كونية يستعين بها المؤمن والكافر جبرًا لعجزه وتقوية لضعفه، إلا أن رب الأسباب سبحانه هو الذي يسخرها كما يشاء، فالذي يعتمد على الأسباب من دون الله فهو المشرك، ومن تخلى عن الأسباب فطلب حاجته بغير سببها، فهذه أمارة ذهاب الدين والعقل معًا؛ لأن الذي يطلب الولد من غير زوج أو الشبع من غير طعام وغير ذلك، لم يبق له من عقل ولا دين؛ لأن الذي شرع الدين: (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة: 29] ، وأما المؤمن فهو الذي يأخذ بالأسباب توكلًا على الله الذي سببها؛ لأنه القادر على سلبها: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) [الأنعام: 46] ، ويقول سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) [الملك: 30] ، ويقول سبحانه: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الأنعام: 17] ، فذلك شأن المسلم في الاستعانة بالأسباب القدرية أن يستعين بها عالمًا أن المعين والقادر المدبر هو الله، فلما لجأ ابن نوح إلى جبل يعتصم به من الماء كان من المغرقين؛ لأنه سلب أسباب العصمة إلا من السفينة، ولما أراد القوم لإبراهيم إحراقًا كانت عليه بردًا وسلامًا؛ لأن الله سلبها الإحراق على إبراهيم، وإن بقيت على غيره ملتهبة، تلك هي الأسباب القدرية يستمدها المؤمن والكافر، والله يجعل منها ما يشاء حيث شاء بتدبيره وحكمته سبحانه.